26 February 2013

حكاية عبير والمجتمع الإسلامي


كنت أظن أن حكايتي القادمة ستكون في حي الدقي. إنه حي مثالي جدا لما أبحث عنه. ولكن يبدوا أني لم أحسن الظن، فحكايتي كانت تقف في منطقة أخرى تنتظرني مثل القدر، على بعد كيلو مترات.

حي الدقي يحوي بقايا فيلات العهد الملكي المزدوجة الطوابق ذات الجراج الخاص والحديقة الأمامية، وإلى جوارها الكتل الخرسانية القبيحة المتمثلة في أبراج شاهقة الارتفاع في شوارع لا تسمح بهذا العدد من الطوابق؛ بما يمثل زحاما وضغطا على البنية التحتية. القمامة تحاصر المكان.

بلدنا تحتاج إلى مدير برتبة فنان. الإدارة الجيدة والإبداع ينقصان مصر بشدة.

لاحظت امرأة ثرية تهبط من سيارة بي إم دبليو الفئة السابعة، ويهبط معها من الكرسي الخلفي كلبها الأسود فصيلة بت بول المميزة بقوة الفكين . البت بول يكتئب لو مكث في البيت عدة أيام، لذلك يجب تمشيته بشكل منتظم حفاظا على نفسيته. لا أمزح تلك حقيقة!

على بعد أمتار تقف سيدة عجوز تتسول بصوت ضعيف جدا. لا أدري إن كانت تستحق أم لا ، ولكن ما أثق فيه أنها لا تستحق وقفة مهينة كتلك . وجهها يحمل مسحة جمال غابر، ربما حينما كانت صغيرة كانت مرغوبة وتعيش حياة كريمة ، ولكن توالي الدهر جعلها هنا.

اقتربتُ من السيدة الثرية واستأذنتها في صورة مجمعة . هي والكلب وأنا والمتسولة . ولكنها نظرت لي بغضب على طريقة: توقف عن الهراء أيها المخبول الوقح.

لو باعت السيدة الثرية سيارتها الـ بي إم الفئة السابع واشترت بي إم الفئة الخامسة ففارق السعر يجلب شقة تمليك لمتسولة عجوز تستحق. وجزء من النفقة على إطعام الكلب ودواءه والاكسسوارات الخاصة به يكفي لمعيشة تلك العجوز!

قرأت أن نفقات الحج والعمرة كل عام في مصر تصل إلى مليارات. توسعة الحرم الشريف تكلفت في جزء منها 30 مليارا. ما هذه الأرقام !! اطمأنوا لن ينال الله من شعائركم شيئا طالما هناك ظلم وفقر.

مشيت من دون الصورة المرغوبة وشعرت أن قصة مهمة قد فسدت.

وفي طريق العودة حدث ما لم أكنت أتوقعه.

*

أحب أن أمشي إلى البيت في المساء لمدة تقارب الساعة. وأثناء عبوري بميدان الجيزة. وجدتها.

تشبه المتسولين بملابسها المتسخة ، وأطراف جسدها السوداء نتيجة المبيت في الشارع لأيام ، وعدم مرور الماء فوقها لأسابيع . ملقاة على جانب الطريق مغمى عليها وإلى جوارها شنطة يد صغيرة وحذاء.

الناس يمرون دون أن يتوقفوا وكأنهم ألفوا تلك المشاهد. بعضهم ينظر لها بشفقة وبعضهم ينظر لها بحذر وبعضهم ينظر لها بامتعاض، ولكنهم جميعا يذهبون. وقفتُ إلى جوارها وتحدثت معها. ولكنها لا ترد.

حاولت الضغط على عينها برفق حتى تفيق ، فتحت نصف عين واهية مصابة بالدوار.

- انت مالك ؟
- مفيش
- أجيبلك أكل ؟
- لا
- أجيبلك فلوس ؟
- لا
- طب عايزة إيه ؟
- عايزة أموت
!
- إسمك إيه ؟
- إسمي عبير
- طب قومي يا عبير أوديكي المستشفى.
- مش قادرة أقوم
- طب اقعدي طيب.

تستند إلى يدي وتحاول الاعتدال فيغلبها القيء. جزء على ملابسي وجزء على الأرض. عصارة معوية صفراء تدل على أن بطنها لم يدخلها الآكل منذ يومين على الأقل.

أقف إلى جوارها فاقد الحيلة.. ماذا أفعل بها ومعها .. هل أتركها وأمشي ! هل أعطيها بعض المال وأجلب لها طعاما وأمشي ! يتجمهر بعض الناس وينصحوني بالمغادرة . أحدهم يقول لي ربما هي تحت حماية بلطجي ويأتي ليتشاجر معك ويتهمك بأي شيء. ربما هي سارقة والشرطة تطاردها..

- "ياعم سيبها في حالها وامشي ، انت شكلك ابن ناس"

*

نظرت لها فوجدتها دخلت في إغماءة جديدة.

نبضات قلبي تتسارع وتغلبني مشاعري .. تذكرت مقولة اسبينوزا: لو حدث لك أمر جلل فلا تضحك أو تبكي، لكن فكر.

الفلسفة مفيدة أحيانا ..

أخرجت الموبايل واتصلت بالإسعاف 123. إنها المرة الأولى التي أجرب فيها الخدمة.. في البداية رد على صوت مسجل يحذرني لو كنت معاكسا أنه سيتم إيقاف الرقم. أكملت الاتصال وتحدثت مع المسعف ووصفت له المكان . أغلقت الهاتف وجلست إلى جوارها على الرصيف. إنها تخرج من أنفها وفمها رغاوي غريبة تشي بامرأة تفقد الحياة.

أنظر إلى السماء وأفقد صوابي . أصرخ ، أين أنت يا رب ، لماذا تتركنا هكذا. امرأة تموت على الطريق في العاصمة وعلى مسافة من فيلات وقصور ومستشفيات خمس نجوم ، وعلى مرمى حجر من قصور تحكم مصر . لو كنا في الصعيد أو الريف أو الواحة ربما سامحتهم ، ولكنا في قلب أقدم عاصمة في التاريخ.

مر رجل وقال لي لا تنظر إلى السماء وأنت تدعوا الله، لأنك بذلك تحيز الله في السماء، والله ليس متحيز!! سببته بأمه وكدت أن أقتله ، ففر هاربا ظنا منه أني مجنون.

السماء ليست فوق، السماء محيطة بالأرض لأن الأرض معلقة في الفضاء وسط السديم. ولكن الإنسان ينظر فطريا إلى أعلى وقت الأزمة ، ليس وقت حزلقة عقائدية ساذجة وليس وقت علم الفلك. هناك انسان يموت ؛ ما وظيفة العقيدة وما وظيفة العلم إن لم يحميا الإنسان من مصير كهذا !!

وأثناء ذلك سمعت صوت الإسعاف ، سارعت إلى منتصف الطريق وشاورت لهم بيد مرتفعة وتوقفوا.

نزل المسعف ونظر للمرأة. سألني، هل تعرفها ؟ قلت لا . فقال "أنا آسف يا باشا مش بناخد متسولين عشان بيعملوا مشاكل ، وبييجي بلطجية بعد كدة تكسر المستشفى."

قلت له بحدة : الدستور المصري الجديد الذي حاز أغلبية "نعم" يقول أن الرعاية الصحية حق لكل مواطن. ودي حالة ينطبق عليها الدستور. وإذا مأخدتهاش هرفع عليك قضية وأفصلك من شغلك."

رد بصوت مرتبك : والله العظيم نفسي أخدها، هو انا هشيلها على كتفي، بس الدكاترة في المستشفى محَرّجة علينا منجبش متسولين وبيجازونا على كدة."

قلت له اتصل لي بأي دكتور ولو رفض هدخله السجن ، لو كان سعيد الحظ.

قال لي ، ترضى تيجي معانا وتضمنها على مسؤوليتك ؟

قلت له أنا معك.

حملنا المرأة ، ووضعناها في الإسعاف .

بدأت تفيق . كان معي قطعة شيكولاتة أعطيتها لها فرفضت ، فقط قالت "أنا بردانة. عايزة أتغطى."

تحدثت معها..

- عندك كام سنة يا عبير ؟
- عندي 40 سنة
- انتي متجوزة ؟
- متطلقة
- معاكي بطاقة شخصية ؟
- أيوه . اتفضل . انت هتسيبني ؟
- لا أنا معاكي متخافيش
- شكرا ربنا يخليك يا رب.

المسعف الذي يركب معي متوتر جدا. يقول لي: دي أول مرة من 12 سنة شغل في الإسعاف أشوف حد مهتم بمتسولة في الشارع . دي الناس بتسيب أقاربها وتمشي يا باشا يبأى هتقف لوحدة ست شكلها يخوف زي دي ! والله انت ربنا هيكرمك، بس لو حصلت مشاكل هقول انك انت اللي هددتني."

نظرت له ولم أرد . ثم فتحت كتابا في يدي وقرأت منه ..

" .. ثم أعد نفسه جيدا، جمع ما بقى من امبراطوريته جيشا يفوق في العدد جنودي عشر مرات.. لم يفهم أبدا أن العدد لا يعني شيئا ، وهذا درس تعلمته من فيليب أبي : يمكن أن تحكم الناس بالقمع والخوف، لكن الخائفين لا يمكن أن ينتصروا في حرب .

" .. في ساحة القتال يجب أن يكونوا أحرارا؛ يجب أن يقهروا خوفهم بإرادتهم لا بأوامر قادتهم .. تعلمت أن الشجاعة ليست غريزة بل هي بالضبط قهر الخوف القابع في كل نفس ، فضربت لجنودي المثل ، لا أصدر الأوامر بل أقف في المقدمة في كل المعارك مشهرا سيفي أطعن وأتلقى الطعنات ويسل الدم من كل مكان من جسدي ، لكني واثق من النصر . والإقدام يعدي، فأجد جنودي يندفعون ورائي للنصر أو الموت .."

الناس في الشارع خائفون من مساعدة متسولة. المسعف المسؤول خائف. ولما دخلت المستشفى وجدت طبيبة شاحبة مترددة. ولكن إصراري كان كاسحا. ما هي قيمة الحياة لو تركنا امرأة مسكينة كتلك لمصيرها الأسود. ليختصي الرجال ولتعقم النساء من بعد.

الإسلام الذي يتحدثون عنه ليل نهار، يقول لنا أن الكلب والقطة يدخلان الإنسان الجنة أو النار؛ فما بالك بإنسان !

هنا مستشفى حكومية مملوءة بالبؤس وخالية من الإمكانات. الممرضات عابثات والطبيبة تتحدث في الهاتف والممرض يدخن سيجارة على خلاف القوانين . هنا وضع مخيف ومؤسف يشرح حالة مصر وما فيها من عشوائية وظلم طبقي وإهمال وفشل في إدارة الدولة والموارد. ثم يتقاتلون على السياسة أو فروعيات الدين . لعنة الله عليكم جميعا .

دخلنا إلى غرفة بها بضعة أسرة قذرة ، استندت عبير على يدي ثم ارتمت على إحداها. كشفت عليها الطبيبة كشف ظاهري بقرف وامتعاض واضحين، ثم كتبت لها محلول وبعض الحقن.. جاء التمريض وبدأ في تعليق المحلول. فشلت الممرضات في البداية في الإمساك بيدها لإدخال السن المدبب للكالونة، فطلبوا مني المساعدة .

اقتربت من رأسها ووضعت يدي عليها وحاولت الابتسام ، ثم قلت لها قولي يا رب .. قولي حسبي الله ونعم الوكيل .. متخافيش يا عبير مش هتوجعك.

خرج التمريض ووقفت الى جوار السرير انظر لعينها التي تغيب عن الوعي وإلى قطرات المحلول التي تنساب في أنبوب شفاف.

وسرحت بعيدا .

*
*

نحن لا ننتمي لآدم أبو البشر، على الأرجح ننتمي لآدم سميث أبو الرأسمالية.

أتذكر عباراته الشهيرة في كتبه عن ثروة الأمم " الإنسان كائن اقتصادي

ECONOMIC MAN

يسيطر عليه حب الذات. والثراء هو الوسيلة الوحيدة لإثبات ذاته. ويتحرك بوازع الربح ."

ثم أتذكر عبارات مالتس خبير السكان الأنجليزي الأشهر، الذي بنى نظريته على أساس: أن الفقير ليس له حق أمام الطبيعة لأنه لم يستأذنها في وجوده . وعليه أن يرضى بقسمة الفقراء ."

للأسف المجتمع الإسلامي تخلى عن أصول الدين وما فيه من تكافل ورحمة وإيثار ورعاية وتحلى بقسوة النظريات الغربية حتى لو لم يكن يعلمها . تلك وظيفة الدعاة ورجال الدين . تلك وظيفتهم التي تركوها وتفرغوا للفضائيات والصراعات التافهة والفقه الفروعي. فكانت عبير هي النتيجة . الغرب بدأ يفيق لقسوة تلك النظريات وأخذ يطعمها بنظريات إنسانية أكثر رحمة وعناية ، بينما نحن نسير إلى الهاوية.

مر بعض الوقت . وبدأت حالة عبير في التحسن .

نظرت لي وقالت: امشي انت يا أستاذ ، شكرا على اللي عملته معايا . انا أهلي معملوش معايا اللي انت عملته . انا سبتهم وهربت عشان بيضربوني وبيشتموني .

ظللت إلى جوارها حتى نامت، خرجت و أوصيت الطبيب النبطشي وهيئة التمريض عليها . ثم تركت المستشفى وغادرت .

وعند أول حائط مظلم أفرغت ما في بطني . ثم مشيت . لم تحملني قدماي لبضعة أمتار فوقفت . وقعدت إلى الأرض . إلى التراب أمسكه بيدي وأبكي .

تحاملت ووقفت وذهبت إلى بيتي بصعوبة . لا أجد لأي شيء طعم . أشعر بالذنب كلما فعلت شيئا . لا يجب أن أستحم أو أرتدي ملابس نظيفة أو آكل طعاما ساخنا أو أنام على فراش لين . كل ما أفعله حرام . كل ما نفعله حرام .

الفقه الإسلامي عندما يتحدث عن الولاية للقاصر أو اليتيم أو المحتاج ، يقول أن السلطان ولي من لا ولي له.

رسالة : عبير محمد عباس في مستشفى بولاق العام يا دكتور مرسي . وهي لديها مشاكل وتحتاج من يحلها . ربما تغادر وتعود إلى الرصيف . ولكن هناك آلاف الأرصفة تسكنها آلاف "العبيرات" . والدستور يحتم على الدولة أن تجد سكنا ملائما للمواطنين.

أنت من طلب كرسي الحكم يا دكتور مرسي . وأنت من فرضت الدستور لتصير مصر دولة مستقرة ! إذن لا مسؤول أمامي غيرك


أبنوب - ابن عم جرجس الترزي - رئيس وزارة


- إيه يا عم النضارة الكبيرة اللي انت لابسها دي!
- أنا اللي مختارها. شبه بتاعة دانيال رادكليف. بطل فيلم هاري بوتر، حلوة؟
- انت اللي حلو .. أخبار ماريان إيه؟
- ماريان مين؟
- متصعش، أكيد في ماريان وأكيد بتشوفها وانت رايح درس الانجليزي
- يا عم انا بتكسف أكلم البنات.

- نفسك تدخل كلية إيه يا أبنوب ؟
- أي كلية تخليني اشتغل. أنا مش عايز أقعد في البيت. أخويا الكبير خلص كلية وقاعد في البيت مش لاقي شغل.

- انت في سنة كام ؟
- تالتة اعدادي
- بتحب المدرسة ؟
- مش قوي. العيال لما بتتخانق معايا بيقولولي يا كفتس. يا اللي ريحتكوا وحشة. مع اني بستحمى عالطول والمسيح!
- انت في مدرسة إيه ؟
- السعيدية
- طب تعرف سبب الإسم ؟
- لا
- على اسم الخديوي سعيد . تعرف ان كان راجل كويس؟
- لا .. كويس ليه؟
- دا أول واحد يعطى المصريين حق تملك الأرض .

- يعني إيه؟
- زمان، كانت الارض والبشر والشجر والحجر ملك الخديوي أو الحاكم. وكل الناس شغالة عنده. الخديوي سعيد عمل اللائحة السعيدية وملك الفلاحيين المصريين الأرض. و ألغى الجزية عن المسيحيين.

- يعني إيه الجزية ؟
- أضربلك مثال. يعني مثلا أوصلك كل يوم المدرسة وأخد منك مرتب آخر الشهر . ولو انت حبيت تروح المدرسة لوحدك يبأى متدفعش المرتب . الفارق ان الجزية كانت عشان الحماية . يعني المسلمين هما اللي يحاربوا والمسيحيين يدفعوا مساهمة في الحرب.

- طب ما احنا ممكن نحارب برضوا .
- ودا اللي عمله الخديوي سعيد؛ سمح للمسيحين بدخول الجيش وأسقط الجزية. وعمل مواطنة ومساواة بين المصريين.
- ؟!
- تعرف الخديوي اسماعيل جاء بعده عمل إيه ؟
- لا ..
- أعطى للمسيحين 1500 فدان للإنفاق من ريعها على المدارس ودور العبادة المسيحية.
- الخديوي اسماعيل كان مسيحي ؟!
- ههههههه . لا طبعا ، كان مسلم ، دي كانت خلافة إسلامية .. وتعرف انه عين المسيحيين في المحاكم، وعينهم في أول مجلس شعب مصري سنة 1866 وكان اسمه مجلس شورى النواب. وبدأ يظهر مفهوم كبير اسمه "الأمة المصرية" تمييزا عن الأتراك والأرمن.

طب منفسكش تبأى رئيس وزارة يا أبنوب؟
- لا ياعم المسيحيين مش بيمسكوا المناصب الكبيرة دي.
- مش صح يا أبنوب . أول رئيس وزارة في مصر كان نوبار باشا . مسيحي . كان رئيس النظار.
- بجد ؟!
- آه والمصحف .. و تعرف إن أول برلمان بعد دستور 23 كان رئيسه مسيحي، إسمه ويصا واصف.
- طب والمسلمين كانوا فين ؟!
- المسلمين هما اللي عينوه !
- طب ينفع نروح نعيش مع المسلمين دول . أحسن من اللي بيقولوا عليا معفن . وبعيط ومش بقول لبابا !
- المشكلة في الناس، مش في الدين يا أبنوب.
- هو انت اسمك ايه ؟
- محمد ..
- انا بحبك والله يا عمو محمد . وكان نفسي الأستاذ عماد بتاع الدراسات يشرحلنا التاريخ حلو كدة . عشان انا اصلا مش بحب التاريخ .

- لازم تعرف تاريخ بلدك يا أبنوب زي ما انت عارف الشارع اللي انت ساكن فيه، وزي ما انت عارف طريق بيتك . وزي ما هتعرف ماريان وهتحبها .

تعرف مثلا إن الخديوي عباس حلمي التاني كان عايز يعين تيجران باشا، المسيحي، رئيسا للوزراء . عشان كان كفء وبيحب وطنه وضد الانجليز . في حين إن كرومر كان عايز يعين رياض باشا، المسلم، المهادن!

- هو الخديوي عباس كان مسلم ؟
- أيوه .
- وكان بيحب المسيحيين ؟
- أيوه .
- طب ينفع يبأى هو رئيس الجمهورية ؟
- هههه
- هو حضرتك مسلم ؟
- ايوه
- طب شايفني معفن ؟
- ههههه . لا . يا أبنوب قولتلك المشكلة مش في الدين المشكلة في الناس. هجيبلك صورة واحد هتحبه عشان تعلقها عندك في أوضة النوم . اسمه اللواء فؤاد عزيز غالي قائد الكتيبة 18 مشاة في حرب العاشر من رمضان . وهو اللي حرر القنطرة شرق ودمر القوات الإسرائيلية . وكان مسيحي , أسمر , مصري .. زيك!

تعالى نتصور .
- تعالى
- بس قبل ما نتصور أوعدني إنك تبأى رئيس وزارة ..

ثم يلمع الفلاش..

عن الإسلام والنبي داوود وصناعة الدروع


يقول الله في سورة الأنبياء ( وعلمناه صنعة لبوس )

المُعلِم هنا هو الله , والمُعلَم هو النبي داوود , ونوع التعليم هو صناعة الدروع التي تحمي الانسان في الحرب .

فكانت الصفة اللصيقة بالنبي داوود أنه يجيد الصناعة وتطويع المعادن , مشطها وسردها , لتأخذ هيئة جسد الانسان فيستعملها للحماية من البأس والحروب .

لاحظي يا ريم , لم يقل الله علمناه السيف . ولكن الدرع . والدرع رمز للحماية وليس رمز البغي والظلم . هذه واحدة .

والثانية , أن صناعات الحرب وصناعة قطع السلاح التي تحمي الناس , مندوبة في القرآن وكانت صفة من صفات نبي يوحى له . نحن مخاطبون بهذا القرآن ومأمورون بالتصديق بأنبيائه واعتبارهم نموذجا يحتذى . والله يضرب لنا فيه الامثال من أجل العظة . فهل نحن نمتلك صناعة دروع الحرب الحمائية ؟؟

بالمصطلحات الحديثة , منظومة صواريخ دفاع جوي , مثلا , تحمينا من القصف . مدافع بازوكا توقف تقدم الدبابات ؟؟ هل نصنعها أم نستوردها من الخارج بالعملة الصعبة ؟؟ ثم نستورد النسخ الاقدم ويمتلكون هم الاحدث .

هل نتقن "صنعة لبوس" الواردة في القرآن , أم تخلينا عنها ؟ هل يريدون تطبيق الشريعة يا ريم ؟ اذن أخبريهم أن يكثفوا جهودهم لصناعة صواريخ بالستية أو توماهوك . أو يصنعوا طائرة درون بدون طيار .. وهذا يحتاج الى علم واقتصاد قوي وديمقراطية . ذاك اسلام .

لازالت احتفظ بقصاصة الجريدة التي فيها هذا الخبر .. وزارة الدفاع الامريكية تطالب بسرعة تسليم مصر صفقة طائرات f16 تم الاتفاق عليها .. والكونجرس يبحث تخفيض المعونة العسكرية .

كان هذا اثناء احداث حصار السفارة الامريكية ورفع اعلام القاعدة فوقها .. امريكا تقول لكم أنتم مجموعة صبية لا تجيدون سوى الصراخ . أما صناعة الحرب فنحن من ننتجها . خذوا بعض هذه الألعاب وتسلوا بها يا صغار . ولا تحلموا بالمزيد . ثم هنيئا لكم الصراع والجهل والتعصب .

*

هزيمة 56 ونكسة 67 قامت على فكرة واحدة وخطة واحدة . ضرب الطائرات المصرية على الارض واستهداف مواقع حيوية بصواريخ الجو . هنا يصير الجيش جسدا بلا أطراف . كسيح يحاور أسدا هائجا .

وبعد 56 قبلنا قوات دولية لمراقبة الحدود على ارضنا . وقبلنا باتفاقية القسطنطينية 1888 المتعلقة بتنظيم المرور في قناة السويس . والاختصاص الالزامي لمحكمة العدل الدولية عليها .

ثم قام ناصر بمغامرة في مايو 67 , اذ اوقف الملاحة في خليج العقبة وطالب بترحيل القوات الدولية . اعتبرتها اسرائيل بادرة حرب . وقامت بهجوم على اربعة جبهات وانتزعت القدس الشرقية وسيناء وغزة والجولان . وصدر القرار 242 من مجلس الامن للانسحاب من "اراض" احتلت , كما ورد في النسخة الانجليزية من الاتفاقية , وليس من "الاراضي" .

طبعا القرار يصدر بخمس لغات , الانجليزية / الفرنسية / الصينية / الروسية / الاسبانية .. وليس من بينها اللغة العربية ! وضعك الداخلي ينعكس على ثقلك الدولي حتما .

حاولت اسرائيل أن تبرر هجومها لكسب تعاطف دولي . القانون الدولي لا يجيز كسب ارض من خلال حرب الا في حالة الضربات الاستباقية للدفاع عن النفس . ونجحت اسرائيل في خلق حالة تضليل بنت عليها موقفا شرعيا أنها كانت في حالة دفاع .

هجومها عام 67 كان على ذات المواقع وبنفس الخطة التي قامت بها في 56 . ولم نتعلم . ولم نسحب القوات . ولم يكن لدينا منظومة دفاع جوي .

عزيزتي ريم, لم تُمنى مصر بخسارة فادحة في يونيو نظرا لغياب التدين الشكلي ( حجاب النساء ) ولم تحدث النكسة لندرة الاعمال التعبدية .. ولكن لغياب صنعة لبوس .. لغياب آية مهمة في القرآن . لم نقرأها ولم نفهمها ولمن نعمل بها . وتلك كانت النتيجة . خسائر وحروب واحتلال .. الاقوياء يخشى بعضهم بعضا . ونحن لا يخشانا أحد .

ومرت سنوات وبنيت خطة الحرب في اكتوبر العظيم على استكمال منظومة الصواريخ . خطة المآذن العالية أو جيرانيت . كانت تعتمد على تقدم 12 كيلو في الضفة الشرقية ونشر وحدات مشاة ميكانيكية ومدفعية ثقيلة تحت غطاء الصواريخ . وكان العظيم محمد علي فهمي يقوم عليها بجدارة .

*

أعود الى صنعة لبوس الواردة في القرآن .. صناعة الدروع .. مهنة النبي داوود .. وتطبيق الشريعة وقيمة العمل .. والاستقلال الوطني .. والموقف الدولي .. سلسلة متراكبة واحدة تلو الاخرى . وهذا هو التدين .

وهذا هو الدين الحافز الذي ينقلنا من وضع متخلف الى وضع أفضل . بقوة السواعد والعقول . وبدفع الايمان والعقيدة . فالعمل بلا عقيدة حيوانية , والعقيدة بلا عمل سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا .

لذلك يصر الله دوما في القرآن على تراتبية تلك الثنائية ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) .

دعونا نتساءل عن الشريعة ..

الشريعة تبدأ بالاسلام , والايمان مثناة .. الشهادتان والتسليم بالكتب والرسل والبعث والحساب . ثم العبادة اليومية وهي الصلاة , وعبادة مرة في السنة وهي الصوم , ومرة في العمر وهو الحج , والزكاة على المقتدر .

الشهادتان والتسليم بالكتب والرسالات والبعث أمر لن يأخذ وقت . والصلوات اليومية بضع دقائق . وهنا يظل لديك يوما كاملا , يجب أن تملأه بالعمل . لأن الله قرن الايمان بالعمل .

لدينا الحديث الشهير الخاص بالرجل الذي اقسم أمام النبي أنه لن يقوم الا بالفروض . وقال الرسول أفلح ان صدق . ووصية الرسول للإمام بعدم الاطالة في الصلاة فلا يشق على المصلين من خلفه . جميل . اذن كفاية الاسلام تتأتى باقتطاع اقل القليل من الوقت . وكذلك الايمان . كيف نكمل حياتنا لتكون امتدادا لموجبات العبودية ؟

العمل ، والسلوك .

يقول الله, ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض ) . نعم نحن مأمورون بالانتشار فيها . والانتشار دلالة العمل والسفر والتواصل .

فهل نستطيع الانتشار في الارض وحدنا دون مساعدة غيرنا من الأمم ؟؟ نحن لا نصنع طائرة لنعبر المحيط . ولا نصنع هاتف نقال لنتحدث عبر الحدود . الخمسة الكبار في مجلس الامن ليس من بينهم طرف عربي أو مسلم . رغم أننا مليار ونصف بما يمثل ربع العالم . فهل احسنا الانتشار .

الخمسة الكبارفي مجلس الامن هم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية . المنتصر يحكم العالم . ونحن دوما مهزومون . مهزومون في حشايا الفقه التقليدي النقلي . ومهزومون في السلوك والعمل والبناء . ونفر الى الله بصحيفة اعمال خاوية . نفر بالتصوف أو السلفية أو الحسبنة على الظالم .

يا عزيزتي إن الله لا يساعد الذين لا يساعدون أنفسهم .

تجدي في القرآن كلمة "عمل" وكافة مشتقاتها مثل, يعملون /عامل / أعمالكم / أعمالنا / عاملون .. الخ . قد وردت عدد مرات أكثر مما وردت كلمة "الصلاة" . فالعمل ورد أكثر م 300 مرة بمشتقاته. بينما الصلاة 100 مرة فقط . وفي ذلك دلالة واضحة .

لو كانت الصلاة شعيرة تعبدية كبيرة ورئيسية في الاسلام . فالعمل هو الحياة وهو الانسان وهو الارض التي خلقها الله وهو الاصلاح الذي يبتغيه , ليخيب ظن الملائكة فينا حين قالت في بداية النشأ " يفسد فيها ويسفك الدماء ! " .

*

يقول الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين :

قال الله تعالى لنبيه ( فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ) . قال أهل التأويل , فإذا فرغت من أمور الدنيا فانصب في عبادة ربك , وليس هذا القول ترغيبا لنبيه فيها ولكن ندبه الى أخذ البلغة منها . لهذا قال الرسول : ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا , ولكن خيركم من اخذ من هذه وهذه .

وتصحيحا للمفاهيم . أخبرهم الرسول في حديث المفلس . كما عند الامام مسلم . أنه رجل يصوم ويصلي ويتعبد . ولكنه يؤذي الناس . من ضرب واعتداء واستيلاء على المال والحقوق . فكان عمل الدنيا ماحق لعمل الدين . وكان عمل الدين وحده لا يغني عن عمل الدنيا . فهما متلازمان .

ايضا المنافق الذي يكذب او يخون او يغدر يظل منافقا ولو صام وصلى . فالعبادة التي لا تنهض بالسلوك وتحسن من اداء الانسان لمهامه الاجتماعية لا خير فيها .

وعندما أخبروه عن امرأة تطيل قيام الليل فتوجع قدميها في القنوت , وتسرد صيام النهار فترهق جسدها من الامتناع . ولكنها سليطة اللسان وتؤذي جيرانها . فقال الرسول لهم : هي في النار .

ومر بهم شاب قوي ممشوق , فتمنى الصحابة أن يكون معهم في الحرب في سبيل الله ليكون انتصارا وعزة . فصحح لهم الرسول وقال : لو كان يسعى ليكفي نفسه سؤال الناس فهو في سبيل الله . ولو كان يسعى على أبويه فهو في سبيل الله .

يريد الرسول أن يعلمهم أن العمل الدنيوي جهاد . وأن البحث عن لقمة العيش منجاة . على مستوى الفرد ومستوى الدول .. فالدولة المسلمة هي التي تكفي نفسها سؤال غيرها . فهل فعلنا ؟

ثم يقول الله ( يا أيها اللذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) .

والصدقة عمل عبادي عظيم فيه تكافل وايثار وخير . ولكن كبر النفوس والميل للأذى يبطل هذه الصدقة . فلكي يصير العمل الديني مقبولا , يجب أن يقترن بسلوك انساني راق وطبيعة بشرية عذبة . فالله لا يريد منكم المال والنفقة ولكنه يريدكم في رفقة آمنة ايها البشر .

لازلت مصر على أن الايمان هو قدرنا , والدين عامل رئيسي في تكوين ثقافة المجتمع . ومن خلاله تستمد الكثير من قيم وسلوكيات البشر . وعلى حسب قرائته يكون وسيلة نهضة وتنمية واصلاح , او وسيلة تعصب واستبداد وقشورية فكرية .

*

تحياتي لك يا ريم . وعذرا على طول الجفاء . لم اكتب لك منذ زمن . ولكنك ايضا لا تردين علي الخطابات . فرجاءا راجعي صندوقك البريدي . لا اطالبك بالكثير , فقط ورقة بيضاء ارسليها لي وعليها اسمك . هذا يكفيني جدا . فأنا رجل قنوع .

الموضوعات الأكثر قراءة