30 September 2013

أمريكا .. من تجارة العبيد لتجارة السلاح


دعيني أبدأ بمقطوعة مقتبسة للفنان القدير محمد رمضان، في رائعته التي انتجها السبكي، قلب الأسد.. "من أراد طريق الفلاح فليتاجر في السلاح."

قد تظني أن محمد رمضان مجرد سرسجي لا يفهم شيئا ويقوم بأدوار مكررة، وقد يكون رأيك عن السبكي أن جزار يفهم في اللحم لا غير، لكنك ستفاجئي من أن تلك المقطوعة صادقة لأبعد مدى.. تعالي أحكي لك عن أكبر بلطجي يتاجر في السلاح في عصرنا الحديث. ومن خلالها وصل – حقا – لطريق الفلاح.

التقارير تقول أن نصف السلاح ( من 35 الى 50 %) في أيدي مدنيين في العالم، يحمله مواطنون أمريكيون.. امريكا بها ترخيص 300 مليون قطعة سلاح لأفراد.. حصيلة التجارة في السلاح في السوق الداخلية لأمريكا يبلغ 700 مليار دولار سنويا. وهو رقم يتجاوز ميزانية الجيش والمخابرات الأمريكية.

ما جعل 40% من اجمالي سوق السلاح في العالم تمتلكه أمريكا. راعية السلام!

لكن هل هذا السلاح يستخدم بشكل رشيد عقلاني يحمي الممتلكات ويحافظ على الأرواح، أم أنه سلاح همجي طائش في أياد لا تعرف الحرمات ولا تراعي قيمة الإنسان.؟

في حربها الطويلة التي امتدت عشر سنين مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة في جبال أفغانستان فقدت أمريكا 7000 جندي أمام أشرس جنود يقبعون في أشرس طبيعة بيئية.. أمريكا تقاتل الطبيعة أكثر منها تقاتل البشر.

لاحظي الرقم، 7 آلاف جندي في حرب عصابات كل شيء فيها مباح.. بينما من مات داخل أمريكا بالسلاح الأمريكي في ايد مدنيين 35 ضعف هذا الرقم.. حوالي ربع مليون قتيل. النتيجة قد لا تكون مستساغة.. الأمريكيون المتحضرون يقتلون من شعبهم أكثر مما يفعله إرهابيو تنظيم القاعدة. (فورين بولسي)

أسوأ صورة يمكن أن تتحدث عن الإسلام موجودة في تنظيم القاعدة.. تنظيم جاهلي متخلف مشوه نفسيا وفقهيا.. ويتسبب في اغتيال صورة الإسلام عالميا.. لكن لو قارناه بتحضر المواطن الأمريكي تجده أقل إضرارا..

أحدهم قال أن أمريكا انتقلت من التخلف إلى التقدم.. قبل أن تمر بمرحلة الحضارة.

البطالة في أمريكا وصلت الى 15% ، في حين أن مديرة كبيرة في شركة بيبسي تتقاضى مليون دولار شهريا، ومكافئة سنوية اثنين مليون دولار.. مديرة شركة أوراكل راتبها الشهري يتجاوز 4 ملايين دولار.. الرأسمالية ليست نظاما عادلا على كل حال. والاشتراكية المثالية والعلمية، من سان سيمون وحتى ماركس ولينين، لم تقدم حلا واقعيا.. ما هو البديل..؟ نعم أظنه في مقاصد التشريع الإسلامي، ولنا في هذا اجتهادات نذكرها في حينها. يكفي أنه الوحيد الذي جعل ضريبة سنوية (الزكاة) تقتطع من أصل رأس المال، وليس من عائد الربح.. أي بعد عشر سنين يكون الأثرياء تبرعوا بربع أموالهم للمجتمع.

نعود للسلاح..

أمريكا استخدمت السلاح النووي – وهي الدولة الوحيدة التي فعلت ذلك – ضد اليابان ما أدى إلى موت مئات الآلوف وتشوه النسل حتى يومنا هذا. لمجرد أن تقنع شعبها بجدوى المليارات التي انفقتها على مشروع مانهتن النووي والذي كان يبدو بلا فائدة. بل إن الروس هم من قدموا اقتراحا باتفاقية حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل وليس الامريكان.

في الذهنية العالمية الروس همجيون والمسلمون متخلفون وسبب ذلك عزيزتي أن امريكا تمتلك السماء قبل أن امتلكت الأرض.. الفضاء والفضائيات والإعلام القوي. التلفيزيون والسينما ونشرات الأخبار.

أما الحرب على العراق فهي كارثة الكوارث.. محكمة العدل الدولية تستطيع ملاحقة زعماء افريقيا، لكن هل تجرؤ على محاسبة توني بلير وجورج بوش..؟

الخسائر التي نالت العراق نتاج الهمجية والوحشية لا تختلف كثيرا عن أفعال هولاكو وتيمور لانك وجنكيز خان. رغم قرون إلا أن الحضارة لم تمس النفوس. قالها نزار منذ سنين، خلاصة القضية الجسد ارتدى ثوب الحضارة والروح جاهلية.

القصف الأمريكي دمر 25% من المواقع الأثرية جنوب العراق.. مدينة بابل العتيقة تحولت إلى مهبط طائرات وممر دبابات.. وتحولت الكتابة المسمارية إلى تراب.. مدينة "أور" التي ولد فيها ابراهيم أبو الأنبياء أصابتها أربعمائة قذيفة.. وجامعة المستنصرية، وعمرها ثمانية قرون تعرضت للقصف.

حاوطت القوات الأمريكية وزارة النفط، وتركت متحف بغداد ليسرق منه 80% من محتواه. رغم أن اتفاقية لاهاي 1954 و اتفاقية اليونيسكو 1970 والتي تلزم قوات الاحتلال بالحفاظ على التراث الثقافي.

لتضيع الثقافة وليموت التاريخ، المهم هو النفط يا عزيزتي.. هكذا تحدثت قمة الحضارة!

ولم يكتفوا بذلك، بل حاول المجلس الأمريكي للثقافة أن يدخل تعديلا للقانون يسمح باستيراد القطع الأثرية من العراق.. إنهم يسرقونا وبالقانون، سيدتي. والقانون يبدو متحضرا ونحن دوما متخلفين. أو هكذا يرونا. أو هكذا فعلنا بأنفسنا. أو هكذا يريدونا.

والكل يبيع التاريخ، ويشتري أسلحة حديثة.

هدف المحتل عزيزتي هو محو التاريخ. أن نصير بشرا بلا ماض وبلا هوية، وبلا ثقل يشدنا للأرض، فتقل المقاومة ونصير كائنات مستعبدة لنمط العولمة التي تحمل شعارا أمريكا.

أمريكا تؤمن أن كل شيء يمكن شراؤه، حتى الأوطان.. وهكذا كانت نشأتها.. مانهاتن وعليها نيويورك اشترتها من شركة هولندية. كليفورينيا اشترتها من اسبانيا. ولويزيانا اشترتها من فرنسا.

*
في حربها على فيتنام، أصدرت القيادات الأمريكية تعليمات لسلاح الجو. يختصر خطة الحرب في كلمات.. اقتل كل شيء يتحرك kill everything that moves ورغم التجربة الوحشية التي مروا بها اثناء الحرب إلا أن الفيتناميين لازالوا محتفظين بانسانيتهم. في حين أنهم 54 عرقية وبعضهم له لغة أخرى. يقول وزير الثقافة "هوانج توان" لو لم يجمعنا حب البلد وحب بعضنا فإت تجربة الحرب كانت ستمزقنا.. والى جوار الحب هناك المغفرة. حتى لا نظل أسرى للماضي ونستطيع التقدم للأمام.

حتى الفيتناميون كانوا أكثر رقيا.

العدل حلم الضعفاء أما القانون فيكتبه الأقوياء.. تلك ركيزة مهمة في بناء النفسية الغربية والأمريكية تحديدا.. ليست هناء مبادئ، هناك منافع.. والله قال في الكتاب (اعدلوا هو أقرب للتقوى).. لكن منذ متى يسمع الناس لكلام الرب. !

*
في رسالة مهمة محفوظة لدى التراث الأمريكي لأحد كبار المؤسسين كتب فيها:

"إن الخلاص من الهنود الحمر أسهل بكثير من اي محاولة لتمدينهم، فهم همج عراه، وإبادتهم تختصر الوقت.. وتكون بتجويعهم وقتلهم وحرق محاصيلهم وتدمير القوارب والبيوت، وفي المرحلة الأخيرة بالمطاردة بالجياد السريعة والكلاب المدربة التي تنهش جسدهم العاري"..

المهاجرون الأوائل إلى أمريكا كونوا شركات مساهمة (صارت ولايات) تتاجر وتزرع وتراكم الثروة، لكنها واجهت مشكلة كبرى.. اليد العاملة.. عدد المهاجرين قليل، و السكان الأصليون يتم إبادتهم.. فما كان الحل إلا في العبودية.. استجلاب العبيد كقوة بشرية تعمل ولا تشارك في الربح.

وهنا نشأت شركات كبرى مسئولة عن قنص العبيد من سواحل افريقيا، بالسلاسل والسياط، حتى بلغ عدد هذه الشركات في أوائل القرن الـ ثامن عشر، 400 شركة. تملك 1200 سفينة مخصصة لهذا الغرض!

جلبت السفن من سواحل افريقيا 30 مليون عبد، يعملون تحت القهر والتهديد في الحقول والمناجم والمصانع، لا يملكون سوى لقمة العيش. إلى جانب ملايين ماتوا في رحلات النقل غير الآدمية.

وفي سجلات السفينة سالي التي يقودها القبطان هوبكنز، تجدي حوارا مثل ذلك..

"معنا 196 عبدا وضعناهم في عنبر أسفل السفينة – كنا نخصصهم لبقرتين معنا – وربطنا الأسرى بالحبال.. الحمولة الآن كاملة وسوف نبدأ رحلة العودة نحو الكاريبي".

حظيرة البقر كانت المكان الملائم للعبيد عندهم عزيزتي.!

لا أحتاج أن أذكرك أن العبيد كانوا يتولون بعض الإمارات في عهد الرسول والخلفاء الأوائل. وأن الصحابي كان يمشي هو وعبده فلا يفرقان بينهما في المظهر والهيئة. وأنهم كانوا يؤمون الصلاة. أقدس عبادة. أي أنه عندما استحال إلغاء العبودية، لظروف ثقافية وانتاجية، أقر الإسلام ما هو أهم.. المساواة.

حتى أن ابراهام لينكولن محرر العبيد في أمريكا ألغى الرق، بعد اختراع الآلة، فلم يعد لهم قيمة، لكنه لم يقر المساواة، حيث ظل العبد عبدا. واقعيا، وإن نال حريته شكليا.

بل إن أغنى ولايات أمريكا كان سببها هو العبيد، ودعيني أنقل لك عن ولاية نيو انجلند:

"سنة 1770 كانت مستعمرة (ولاية) نيو انجلاند اغنى مناطق أمريكا، وقد كانت بالفعل قصة نجاح رائعة وكان محرك النمو هو العبيد الذين كانوا العنصر الفاعل على الارض وفي المصانع والترس الدوار في حركة التجارة والتصدير. وكان العبيد هم أساس الزراعة وعماد الصناعات القائمة عليها مثل التبغ والسكر. "

باختصار كانت العبودية هي المولد الأكبر للثروة الزراعية والصناعية والتجارية في أمريكا.

*
ويجب عزيزتي أن لا تعمينا تحيزاتنا عن الحقيقة.. فأمريكا وسط ذلك، تملك 50% من الانتاج الثقافي العالمي.. سينما، رواية، كتب، مجلات، جرائد، ابحاث.. و 40% من اجمالي جوائز نوبل. نصفهم لم يولدوا في أمريكا.. وأفضل جامعات العالم.. هارفرد، ستانفورد، ييل، روكفيلر .. وأفضل مستشفيات مثل. كليفلاند، ماي كلينك، جونز هابكينز.

*
منذ أيام شهد أحد المباني التابع للبحرية الأمريكية بواشنطن "نافي يارد" هجوما أدى إلى قتل 12 شخصا.. الجاني هو أرون اليكسيس.. أمريكي مولود في نيويورك، يعمل فني اليكترونيات وخدم أربع سنوات جندي احتياطي في الجيش الأمريكي.

بوذي الديانة، وكثير الزيارة للمعابد البوذية..

لكن في الأخبار لن تلحظي ديانته عزيزتي، لن يركز عليها الاعلام ولن تصير مهمة.. لا تنسي أن الصين هي أكبر دائن للولايات المتحدة.. تخيلي لو كان الرجل مسلما.. هل كان الأمر سيختلف في نشرات الأخبار الأمريكية..؟ لست مولعا بنظرية المؤامرة لكن بعض الحقائق أقوى من الإنكار.. أمريكا تريد عدوا يبرر لها أمام دافعي الضرائب تلك المبالغ الباهظة التي تنفقها عل السلاح وعلى الغزو الخارجي وعلى اسطولين يجوبان البحر والمحيط. وعلى 2000 قاعدة عسكرية خارج حدودها.

زمان كان هتلر هو هذا الغول. ثم صار السوفييت. والآن هو الإرهاب. و بين قوسين كبيرين تجدين تعريف المصطلح يشير فقط إلى الإسلام.. وينسون أنهم يقتلون بالسلاح الأمريكي في بلادهم 35 ضعف تنظيم القاعدة.

لا شك أننا نشارك بالغباء والجهل والتخلف.. ذهب حكيم إلى رحلة طويلة، وبعد أن عاد حكى لقومه ما وجده في التجربة. قال. لقد قابلت الأعداء.. إنهم نحن.

لكن دعيني أسرد عليك عينة من القتل الإرهابي داخل أمريكا:

- في ديسمبر 2012 تم قتل 27 طفلا بمدينة نيو تاون الأمريكية. داخل مدرسة ابتدائية. على يد شاب يدعى آدم لانزا.

- وفي ابريل 2009 قتل 13 شخص في نيويورك عندما قام جيفرلي وونج بإطلاق النار على مجمع لخدمات الهجرة.

- وفي ابريل 2007 سقط 32 قتيلا في جامعة فرجينيا بعد قيام سيونج هوي تشو – 23 سنة – باطلاق النار على زملائه.

كل هؤلاء ليسو عربا أو مسلمين.. هؤلاء أمريكيون يحملون سلاحا أمريكيا يعيشون في أمريكا. ويقتلون أمريكان.. لكن صدقيني لن تدرج هذه الاقام ولا هؤلاء الشخوص كإرهابيين وفق التصنيفات الدولية، أو ضمن احصاءات الارهاب العالمي.. لأنه لو حدث ستختل النتائج النهائية ولا تصير في كفتهم.

أعتذر لو أكثرت عليك بالأرقام والتواريخ ودفق المعلومات.. لكنها ذكرى.. لأن النسيان هو الموت أو طريق له. ولأن الأمم تحيا لتتذكر، أو هي تتذكر لتحيا. فيجب ألا ننسى.. تحياتي يا أميرة.


27 September 2013

ألمانيا هي الحل


من المهم أن نقرأ نتيجة الانتخابات البرلمانية (البوندستاغ) في ألمانيا لأنها تبين التوجه العام عالميا كيف يسير، خاصة في منطقة اليورو ذات الوزن الاقتصادي والعسكري الكبيرين.

تلاحظ أن الحزب الديمقراطي الاشتراكي، حزب المعارضة، حصل على 25% . وهي نسبة تمكنه من معارضة صلبة وقوية. و اليسار واليسار المتشدد حصدا 17% .. وحزب ميركل الحزب "الديمقراطي المسيحي" (يمين محافظ) حزب الاغلبية بنتيجة 42% وهذا ما لم يمكنه منفراد من تشكيل الحكومة. خاصة بعد فشل حليفه "الليبرالي الحر" في الحصول على أي نسبة.

يبدو أن الليبرالية العالمية تتراجع بشكل ملحوظ.. وأن التوجهات المحافظة دينيا أو الاشتراكية صارت متقدمة.

ثورة العمال والطلبة في فرنسا عام 1968 والتي اجتاحت أوروبا هدفها الأول مقاومة سطوة رأس المال وتحسين ظروف العمل وإيقاف التوغل الرأسمالي المتوحش في الظلم الطبقي والافقار وتحقيق مكاسب على جثث العمال. وذلك ما أنتج تيارات اشتراكية قوية حسنت من ظروف العمل وخففت من غلواء الرأسمالية.

وجهة نظري أن نصوص الاسلام وتراثه - بعد التنقية وإعادة القراءة بشكل حداثي يتحرر من سلطان السلف وعبودية التاريخ - يحوي نموذجا صلبا عميقا قادرا على تشكيل وجهة نظر كاملة للمشاركة - مع غيره - في تحسين المجتمع ثقافيا واقتصاديا واخلاقيا. بالإضافة إلى دور العلم والفن والحريات كعامل موازي للدين يسير معه دون تقاطع أو وصاية.

ورغم أني ضد إقامة حزب على أساس ديني، أو الزج بالدين في صراع سياسي ساذج، أو التعبئة العاطفية لخداع العوام. إلا أنه لا بأس من إقامة حزب يستلهم مقاصد إسلامية ضمن نصوصه وبنوده. على أن يلتزم بالحفاظ على الدستور دون العبث به والحفاظ على الثقافة "المصرية" التي اعتصرت الكثير من الحضارات شرقا وغربا.

كان أمام الإخوان فرصة ذهبية لإقامة حزب مثل الديمقراطي المسيحي، يحترم الدولة ولا يسعى للهيمنة والارهاب الفكري وتغيير معالم مصر ثقافيا. لكنهم لم يستطيعوا التخلص من أدبيات أستاذية العالم والخلافة المزعومة والتمكين في الارض.

قراءة خريطة العالم تقول أن هناك نموذجان من الدولة يتراجع ويتحلل ويصير جزءا من التاريخ السحيق.. وهما الدولة الدينية (12 دولة) والدولة المعادية للأديان(5 دول).. بينما القطاع الواسع من الدول والذي يتجاوز 180 دولة هما صنفان آخران، دولة علمانية (120دولة) أو دولة ذات دين رسمي (60 دولة). وهما النموذجان الوسطيان بين دولة كهنوتية ودولة تطارد الدين.

هناك دول علمانية تجد فيها مظاهر دينية راسخة مثال امريكا.. والتي يقسم فيها الرئيس ويده موضوعة على الانجيل ككتاب سماوي.. وينهي القسم بـ : ليبارك الرب أمريكا. كما تجد في الاحصاءات أن قرابة 90% من الامريكان مؤمن بوجود الله. وأن 85% منهم ينتمي لدين.

كما أن أكبر دولتين تحققان معدلات تنمية بشرية، آيسلندا والنرويج، هما دول ذات دين رسمي. (الكنيسة اللوثرية). ما يظهر أن التنوير الديني الذي قام به مارتن لوثر في الكنيسة البروتستانتية في القرن السادس عشر كان له أثر كبير في أعماق أوروبا.

يقول برنارد لويس في كتابه The political language of Islam أن الصراع بين الدين والدولة - في الأساس - داء مسيحي. لذلك كانت العلمانية دواء مسيحي أيضا. وهو ما لا ينطبق بشكل كامل مع الإسلام. ففي المسيحية الله هو شريك قيصر الصغير. بينما في الإسلام الله هو القيص. وبذلك نشأ الصراع في المسيحية بين الله وقيصر - الدولة والكنيسة - ما استلزم فض هذا الاشتباك باستبعاد الدين كليا.

أما في الإسلام ظهر خطاب مختلف - الحاكمية لله - وهو لا يستلزم الفصل بين الله والحكم الزمني على قدر ما يتطلب الفصل بين خطاب الله المقدس وتفاسير البشر الزمنية لهذا الخطاب.. أو إعادة تفسير خطاب الله باسقاطات وفهوم بشرية قابلة للاختلاف والتأويل.

لذلك فالاسلام لا يحتاج الى استبعاد على قدر ما يحتاج إلى إعادة استكشاف.

مرة ثانية.. هل من مارتن لوثر مسلم يعيد الأمر إلى نصابه..؟

قصة حياة مايوه بكيني، شرعي


في محل ملابس رياضية شهير:

- تعرفي إن السباحة الاسترالية آنيت كيلرمان كانت أول ست تلبس "بيكيني" في العالم. في مدينة بوسطن بـ أمريكا.. سنة 1907 .. وقتها تم القبض عليها ومحاكمتها بتهمة الابتذال وعدم الحشمة.

- ايه دا بجد . هو العالم كان متخلف اوي كدة لحد فترة قريبة.. كانوا عايشين ازاي من غير بيكيني..!

- أكيد كانوا بيلبسوا مايوه شرعي شبه بتاع داليا.

- على فكرة صح.. هما كانوا بيلبسوا مايوه شبه المايوه الشرعي قطعة واحدة كبيرة مغطية الجسم كله.. لكن بدأوا يقللوا حجمه مش عشان التحرر. لا . عشان بعد الحرب العالمية التانية كانت في أزمة في المنسوجات.. فقالوا يصغروه شوية..

- إيه الاستهبال دا..

- طب تعرفي إن أول بكيني كان سنة 1946 والافندي اللي صممه كان مهندس راح عمل بيه براءة اختراع.

- الصراحة هو اختراع..

- و لا واحدة كانت تجرؤ تلبسه وقتها.. تعرفي هما سموه بيكيني عشان جربوه الأول في جزيرة في المحيط اسمها بكيني . الجزيرة دي اللي امريكا عملت فيها اختبار القنبلة الذرية.. عشان كدة سموه الأول القنبلة الذرية..!

- من حيث القنبلة هو أحيانا بيبأى أقوى.

- ولحد 1950 كان ممنوع في دول أوروبا.. الفاتيكان كان بيقول حرام!

- ليه هو الشيخ عبد الله بدر كان جايب عقد عمل في الفاتيكان..؟

ثم تنظر للبائعة وتقول: ممكن الأزرق من دا..

وهنا تدخل فتاة أخرى وتسأل البائعة بهدوء:

ممكن مايوه شرعي !



25 September 2013

التعددية فريضة دينية وإرادة إلاهية


أولا يا جو، مفيش حاجة تتعمل يبأى الدنيا كلها زي الفل وتمام.. هذا وهم في أذهانهم.

الله قال (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما) .. فهو يقر النسيان وفقدان العزيمة والتقصير في حق البشرية جمعاء. وتلك نقطة البداية، نحن مقصرون وضعفاء ونحاول أن نرتقي بأنفسنا عبر رحلتنا في الحياة.. نتطور بالدين والعلم والمال والفنون.

الدين وحده لا يكفي. كما أن العلم وحده لا يكفي. كما أن الاقتصاد وحده لا يكفي.

والإسلام افترض الخطأ في تابعيه.. بل افترض الخطأ في كبار الصحابة والحواريين.. نذهب لأبعد من ذلك وافترض الخطأ في أنبياء الله.. ولي في ذلك مقالات عدة.. يونس ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه.. موسى ارتكب قتل خطأ. داوود لم يحسن الفصل في الخصومة بين طرفين.. ومحمد (ص) عبس وتولى. وكادوا أن يفتنوه لولا أن ثبته الله.. فحتى محمد النبي يعلن ضعفه عن مقاومة الضغوط ويحتاج الى المراجعة والتثبت.

أما عن إسلام من هو الأفضل.. فتلك قضية مهمة..

يقول الله مخاطبا المؤمنين (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله).

الله يتحدث عن طبقة رجال الدين. في أي دين. ويضرب مثالا. ويحذر المسلمين كدين ناشئ من تكوين طبقة مماثلة. من الكهانة. لأن رجال الدين يتخذوه وسيلة للكسب المادي والثراء. وهم أول من يصد عن سبيل الله.

نصيحة الإسلام الأولى، اترك رجال الدين وتحرر من سلطانهم واعرف ان كثير منهم نصاب أو مضل. واذهب بقلبك إلى الله.

يقول الامام محمد عبده، من اتخذ ارشاده دكانه اضربوه بالعصا.. أي من يرشد الناس للخير فيتحول إلى وظيفة فهذا نصاب.

لذلك جاء صحابي اسمه وابصة بن معبد للرسول يسأله عن البر والإثم.. فقال له الرسول (يا وابصة استفت قلبك. واستفت نفسك. وإن افتاك الناس وأفتوك وافتوك).. وهو هنا يضع معيار الإنسان كضابط مهم للتعرف على الخير والشر.. الحق والباطل..

اسمعك تسألني، ولكن الناس متغيرون . مختلفون . أقول لك الله يعترف ويقر ذلك (ولذلك خلقهم) .. (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) لكنه لم يشأ. الطيور ألوان والناس لغات والأديان شتى.. هذا اقرار واعتراف من الإسلام في مواطن كثيرة (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) .. الله وحده يفصل، ولا علاقة للبشر بذلك.

مؤمن . يهودي . مسيحي . صابئي . مجوسي . مشرك .. الخ. لا علاقة لنا نحن البشر بذلك.

وهنا تصير التعددية فريضة دينية. تصير أقوى من القانون .. أصل دنيوي. وإرادة إلاهية. فمن يحاول قهر الناس واستعبادهم وفرض تصوره عليهم فهو كذاب اشر.

والمعيار الأخير (إلا من أتى الله بقلب سليم). و (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منك ويغفر لكم).. مرة ثانية يراهن القرآن على ضميرك. قلبك . العالم الجواني.. انت ونفسك والله. ولا حد رابعكم

سؤالك الآخر الذي يلوح، ماذا لو سعى الانسان بحثا عن الإيمان ثم لم يجده. أو ضل عنه. هل يعتبر كافرا مثلا.. أجيبك وفقا للجمهور الفقهاء ثم وفقا لراي السادة المعتزلة..

من هو الكافر:
-وصله الإسلام - بشكل صحيح - أهل للنظر فيه - اقتنع فيما نظر.

بمعنى أنه يجب أن يصلك الدين بشكل صحيح وأنك مؤهل ذهنيا لاستكشافه ثم اقتنعت. ثم كفرت عنادا وكبرا. واستشهدوا بآية (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا).. جحدوا بالرسالة بعد أن استيقنوا من صحتها. وكان سببا نفسيا محضا. الذاتية والكبر والتعالي.

وعند أهل السنة من يبحث عن الحق ولم يصل فقد مات على حق. ومن يبحث عنه ويضل فقد مات على ضلال. أما المعتزلة فخالفوا في النقطة الأخيرة فصار من يبحث عن الحق ويضل - بحسن نية -مات على حق أيضا..

يعني م الاخر متخافش.. باب الحريات مفتوح وواسع في أكبر أمور الدين. والله قال رحمتي سبقت عذابي.

والباب الأول في العقيدة اسمه النظر .. يعني العقل ..
والباب الثاني هو الحرية والاختيار.

فما بين العقلانية والحريات يقبع ميزان الدين.

ما ذنبي إذن أنهم اختطفوا الدين بنسخة مغلوطة ومشوهة وموضوعة وفق تشوهات نفوسهم ..؟

أما عن الدين ، من دون تفسير أو تأويل أو كهانة ، فكثير من آياته واضحة وضوح الشمس .. (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ).. لو وجدت الناس في شوارع المدينة يصبرون على حماقاتي ويرحمون ضعفي سأعرف أني في مجتمع مسلم.

قال (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) .. العقد في القانون الحديث هو أصل المعاملات الانسانية في القانون والاقتصاد والعلاقات الدولية.. هل نحن نفي بالعقد أم أننا نصابون متحايلون أفاقون ..؟

وقال (وللمطلقات متاع بالمعروف حق على المتقين).. الملطقة لها متاع. وحق. ليس فضلا ولا منة.. فكم مطلقة تمتع وكم مطلقة تهان في مجتمعاتنا.

وأول آية في القرآن (الحمد لله رب العالمين) .. وآخر سورة هي سورة (الناس) .. فما بين العالمين والناس يتوجه بخطابه.


الموضوعات الأكثر قراءة